الفصل السابع

Background color
Font
Font size
Line height


الفصل السابع

أثقل أخواني على قلبي؛ من يتكلف لي، وأتكلف له، وأحب أخواني إلى قلبي؛ من أكون معه، كما أكون وحدي.... الإمام الشافعي

(الجامعة )

رفعت الورقة كي تقرأ الصفحة الموالية من الكتاب بين يديها، ولم تكن غافلة عن الذي جلس غير بعيد عنها، تتجاهل وجوده كما تتجاهل دقات قلبها النافرة. تخشى التفكير في معنىً لما يحدث معها ليس مؤخرا فقط، بل قبل حتى أن تلتقي به بصفة شخصية. حين كانت تسمع عنه من الفتيات ينصبنه ضمن المتصدرين للائحة العزاب المرغوبين فيهم، وكان ذلك كافياً لتخرجه من حساباتها. ابتسم لها شيطانها بسخرية سوداء، هامسا لها بازدراء؛ من ذاك الذي كان في حسابك من الأساس يا معاقة؟! انتفضت تتنفس بحدة وهي تستنكر عليه بتوحش، لم تعد معاقة، لم تعد! فمتى ستنسى؟! تهدلت كتفاها وشق آخر منها يجاهد ليبرز بعضاً من التعقل، وإن كان همسه الواهن يواسي كبرياءها المجروح بأنها لم تكن معاقة، ولم تكن ناقصة كما كانوا يعاملونها، فما الإعاقة إلا من نصيب كل فاقد للإنسانية والرحمة. زفرت بينما ترفع رأسها كي تتنفس براحة، وقد نسيت بالفعل وجوده على بعد مسافة منها، يراقب كل تقلباتها وزفراتها، وحين نفد صبره تحدث إليها بنبرة حاول اصباغها بالمرح. )أنت من يحمل نفسك ما لا تطيقه.) جفلها وكأنه يدرك ما تموج به دواخلها، فالتفتت إليه ترميه بنظرات حادة رفع لها يديه باستسلام مزعوم وهو يستدرك (لا تنظري إلي هكذا، إنها فقط كلمات لن تلمسك ...فليس لها أيد ولا أرجل.) عادت تنظر إلى الكتاب بين يديها، فراقبها بإحباط اختفى حين غمغمت بأسى ممزوج بغل )ليس لديها أيد وأرجل لكن لديها سكاكين حادة تطعن بغدر أحشاءك، تنهشها ببطء مميت حتى تمتص منك الحياة بكل مباهجها.) حركت مقلتيها لكي تتحكم في الدموع التي غلفت صفحتيهما وضببت رؤيتها حتى تمازجت الكلمات المكتوبة على الورق فيما بينها، فرد عليها عيسى بعبوس غادره المرح )لكن الأفعال أقوى وأشد، لذا تعلمت عدم الاكتراث لمجرد كلمات لا تقدم ولا تؤخر.) ظلت مطرقة على كتابها لا تريد لأحد أن يلمح ضعفها، وهو يسترسل بجدية مستغلا الظرف عسى أن يجد منفذا إلى عقلها (يتعذب الإنسان حتى يتعلم الثقة بقوة دفاعاته، لكن بعدها يكون محصناً ضد قسوة المحيط.) نطقت بسهو وهي تحارب دموعها متحدية ببسالة سقوطها (الثقة والدفاعات يبنيها المرء بينما يكبر وليس بعد أن يَشِبُّ على الألم من أقرب الناس إليه.) طعنته دون أن تدرك، واهتز قلبه بألم دفين أنطقه ببرود (وماذا تعرفين أنت عن الألم؟ ومن أقرب الناس إليك؟) التفتت إليه أخيرا، فلمحت كيف شع الحقد من ظلمتيه، وكيف اختفى بغتة ليحل محله القلق، فوعت على كشفها لضعفها له وهتفت بنزق )أليس لديك محاضرة أم أن الرسوب نال إعجاب حضرتك؟) أفلحت بتجميد دموعها ورفعت حاجبها بتهكم بارد فرد عليها ببسمة هددت حصونها الواهية بالاندثار (ربما ... أريد أن نتخرج معا.) قصف قلبها في صدرها فعبست بشدة بينما تؤنبه بنزق ساخر (ربما سأشكوك لأخي إبراهيم لنسمع رأيه في الأمر.) ضحك بصخب فزاد الطينة بلة بوسامته التي تزداد في كل حالاته، وعقب بتسلية (على الأقل تحول الأمر من ياسر إلى إبراهيم.) قطبت جبينها وهو يتلكأ قبل أن يردف بنفس البسمة الخطيرة (سأكمل في نفس الطريق إلى أن يحين دوري.) ما تزال تراقبه بجهل فأكمل بتوعد غلفه بالمرح (لكن الصف سينتهي عندي، لا أحد بعدي.) قفز حاجباها بادراك، فانتفضت واقفة تهتف بنزق قبل أن تبتعد (أنت منحل.) عاد للضحك مشيعاً خطواتها المهرولة بحنق ثم همس بمرح (لا بأس! تطور طفيف.)

***

(شركة المرابط)

لاح الاسترخاء على ملامحه وهو يلتقط بسمتها الهادئة، يشعر بارتياحها وبريق السرور في مقلتيها يتلألأ بينما تدون شيئا ما على مذكرتها. نظر إلى عمر بتساؤل خفي، رد عليه بهزة كتف تعني ليس متأكدا قبل أن يعود لانشغاله بملف ما على مكتبه. عاد إليها بنظراته فوجدها في انتظاره تضيق عينيها بخفة وحيرة، فابتسم بحرج (أرى أنك أفضل من الأمس.) هزت رأسها بينما عقلها يتوسل قلبها التمهل في لهفته، ترد عليه بخفوت (الحمد لله.) ضم جانب شفته وهو يهز رأسه غير متأكد كيف يسألها ثم اقترب من مكتبها مدفوعاً بخوفه وغيرته عليها (حمحم! هل .... أقصد ستقابلين...؟) (أجل ... سأفعل بإذن الله آخر الأسبوع..) قاطعت ارتباكه فسألها مقطبا بحيرة (لماذا آخر الأسبوع؟) تهربت بحدقتيها الخاليتين من أي زينة كباقي وجهها، سوى من جمال رباني يزداد نوراً بحيائها المتملك من صوتها (لا أريد التغيب عن العمل إذا ما حدث أمر يربكني.) أومأ عابساً يرد عليها بثقة (يمكنك الحصول على يوم إجازة لكن لا تتأثري برد فعلهم مهما كان، أنت لست وحدك كما أنك لست ضعيفة ولا مخطئة.) رغما عنها أُخذت بحديثه اللبق، وأثر فيها بشدة، فتاهت في تفاصيل وجهه تتساءل إن كان بالفعل كما يظهر لها؛ تكره الشك المقيت في أحشائها. لاحظت بسمته الرائقة فشهقت بخفوت تكتشف بلاهة شرودها به، وتهربت مجددا ترد عليه بتوتر (لا ...شكرا لك، وكما قلت أنا لم أخطئ لذا لن أهتم بأي سوء منهم.) نظرت إلى مذكرتها تشعر بدفعة قوية من الإيجابية بينما هو واقف مكانه عالقاً مع عذاب قلبه، وما يزال يفكر كيف يسألها عما يشغل باله حتى نطق باسمها دون وعي حقيقي منه (حفصة!) التفتت إليه بدهشة، فهو لم يناديها يوما باسمها مجرداً، فارتعد قلبها تشعر به سيتوقف، وهو يسترسل قبل أن تخبو شجاعته (إذا حدث واعتذر إليك وتوسل عفوك والعودة إليه هل...) لم يستطع أن يكمل عبارته، فترك المهمة لمقلتيه اللتين رمقتاها برجاء خفي يطغى عليهما الترقب، فأجابته بثقة والعبوس يهجم على قسماتها المليحة )لا أستطيع! إن كنت في بعده أعاني من مرارة تذكر العذاب الذي عشته معه فكيف وهو أمامي؟ لن يحصل أبداً، لا أريد، بل لو استطعت عدم رؤيته في المستقبل لفعلت اللازم لأحقق ذلك.) انشرح صدره لكن الخوف البائس أبى الفراق عن باله، فقال لها بتوجس (يقولون بأن الحب والكره وجهان لعملة واحدة!) (عفوا! لم أفهم قصدك.) استفسرت منه بجهل فرد عليها )أقصد أن المرء ينسى أمر من لا يهمه، لا يكرهه ولا يحبه.) وضعت القلم جوار المذكرة، وشبكت كفيها تفكر للحظة تغلبت فيها على اضطرابها، ثم أجابته بجدية (لكنني لا أكرهه!) اسود وجهه فجأة والتوت عضلة قلبه، وهي تستدرك دون أن تغفل عن تغير ملامحه (أنا أكره ما عشته معه، وما جعلني أعانيه من عذاب، أما هو فلا يهمني أبداً، والدليل على ذلك عدم اهتمامي بخياناته سابقاً!) علا الاحمرار وجنتيها مما أفصحت عنه ومنعت لسانها عن اخباره بالمزيد، مثل كونه يخبرها بخياناته دون خجل. تعاقبت المشاعر على ملامحه التي انصدمت وهو يستنكر بذهول (خانك ذاك ال...) أومأت بخزي تردف بامتعاض (رؤيته تذكرني بالذل الذي عشته وصبرت عليه، هل فهمتني؟) رد عليها بأسى (أجل ...أنا آسف، وأتمنى لك حياة سعيدة مع رجل جيد، وليس حيوانا يدّعي الرجولة!) أطرقت بحياء تتمتم بشكر، فأردف بنظرات عابسة وقد بدأ يفكر في اتجاه آخر؛ ماذا لو كرهت الرجال ورفضت الزواج بسبب ذاك الحقير. (لا تحسبي كل الرجال مثله، لولا عمر ما كنت وافقت على دفع تكاليف علاجه، لكنه أقنعني بوجوب ذلك من أجلك.) رفعت رأسها، ترمي السيد عمر بنظرة ممتنة، وحنونة قبل أن تحيد إليه بنظراتها الممتنة تهمس بلطف (شكرا لك وله، لولا رحمة الله بي الذي أرسلكم إلي لا أعلم ماذا كنت سأفعل!) أمال رأسه قليلا يبتسم لها، وهو يرد عليها (ألا يقولون أن القدر يلاحق صاحبه حتى يصيبه؟ وقدرك كان سيلاحقك حتى يصيبك!) توترت من نظراته التي فهمت معناها، فحملت القلم تقول له بنبرة تقصدت علوها قليلا كي يسمعها السيد عمر (أظن أن الدوام يوشك على نهايته، هل هناك ملاحظات سيدي؟) فهم إشارتها فدس يده داخل جيب سرواله بينما يجيبها بحرج (اكتفينا اليوم، إلى الغد إذن؟) لا تعلم لماذا شعرت بسؤاله يتعدى العمل، وهي تومئ له بتأكيد بينما تغمغم بمشيئة الله. استدار ياسر فوجد السيد عمر في وجهه يبتسم له بتسلية كما همس له (عليك التحرك بوضوح يا ياسر!) مسد ياسر خلف عنقه، يرد عليه بنفس الهمس)عدتها لم تنته بعد، لا يجوز لي مفاتحتها.) ضم عمر شفتيه بجدية ثم نصحه وحذره (لم يتبق الكثير وعليك اقتناص الفرصة فأنت أدرى بظروفها، لذا دع مخاوفك على الله ثم بعده علي أنا وجيشي المتواضع.) رمقه بامتنان يربت على أعلى ذراعه قائلا بلطف (أشكرك عمر، لو طلبت من براء معرفة رأيها دون اخبار مباشر سأكون ممتنا لك، وإن تأكدت من أنها لا ترفض الزواج بعد انتهاء عدتها بيوم واحد سأطلبها للزواج دون تردد بإذن الله.) ربت على كتفه داعماً بسرور (توكل على الله، وكل شيء سيكون بخير، فقط أمهلني حتى ينتهي لقاؤها المرتقب، يسر الله أموركما.) تمتم قبل أن ينسحب الى مكتبه وهو ينظر إليها بترقب (آمين ...آمين...)

***

(المستشفى القسم الباطني)

(كيف حالك الآن؟) كان قد طوى كتاب الله ووضعه جواره يبتسم لها بهدوء، وهو يرد عليها (أفضل والحمد لله، أنتِ محقة، أشعر بنفسي أتحسن بقراءة القرآن؛ كلما أنصت إليه أو قرأت منه.) أومأت له بسرور تجيبه، وهي تتفحص مؤشراته الحيوية (الطبيب متفائل بعد زيارته لك هذا الصباح، يجب أن نواظب على الرقية، وأنت لا تفارق كتاب الله والطهارة، وستتحسن بإذن الله.) أمّن خلفها ثم سكت يرمقها بتردد، فأجابت سؤاله الصامت (ليس هناك خبر بعد، سألت صديقتي خطيبها وأخبرها بأن الرسالة وصلتها، فليس عليك سوى الانتظار.) أسدل جفنيه بأسى يريح رأسه على المخدة خلفه، فأطلقت سراح رسغه النحيف بعد أن أنهت جس نبضه، واستدركت بهدوء يخفي حرقة صدرها (الصبر يا عزيز... موقفها صعب ويلزمها بعض الوقت.) لا تنكر رغبتها في قدوم حفصة كي ترى من عانت مثلها يوما ما، وكي تتيقن من عدم حبها للرجل الذي دخل قلبها لسبب تجهله، ربما فقط تسعى لخمد نيران ضميرها؛ ألا يكفي أنها أحبت رجلا يحمل نفس صفات من انفصلت عنه بعد معاناة رهيبة؟! فهل تضيف فوق ذلك حبه المحتمل لفتاة مناسبة والأهم أنها زوجته؟! بل كانت زوجته!.. كانت! زفرت بضيق جعله يتنبه لتغير ملامحها وتفكيرها الساهم، فسألها بفضول (ماذا ستفعلين لو كنت مكانها؟) حدقت به فجأة بصدمة، فبلع ريقه يستدرك بنبرته الواهنة بفعل المرض، فربما بدأ جسده يستجيب للعلاج لكنه ما يزال نحيفاً يرتعش وركبتاه لا تحملان جسده جيداً بعد (أقصد، أنت امرأة مثلها، كيف ستتصرف برأيك؟) تنفست بعمق لتسيطر على دقات قلبها، وقد ظنت لبرهة أنه سمع كل ما ثرثرت به بالقرب منه، وأن صديقتها لم تكن محقة حين أخبرتها بأنه في غيبوبة ولا يسمعها ثم تحدثت بما تعلمه يقينا ولرغبة خفية في نفسها (ما أعرفه أن قدومها حين يحدث سيكون لسببين، إما لتشمت بك أو لتشفق عليك فتسامحك.) تلكأت تميل نحوه قليلا وهي تردف بجدية (وفي كلا الحالتين قد تكون تجاوزتك بالفعل يا عزيز، فلا تتوقع خلاف ذلك.) طرف بجفنيه يجيبها بوجوم سكن محياه ولا يبدو سيغادر قريباً (قد تكونين محقة، لكن لو رأيت ما رأيته في حياتي هنا لما كنت واثقاً مثلك.) عبست وهي تستقيم في وقفتها، تستفسر منه بحيرة (ماذا تقصد؟) رفع يده المرتعشة ووضعها على جبينه بينما يرد عليها (أقصد أن النساء هنا يصبرن على أزواجهن مهما أساءوا معاملتهن، وقليل منهن يتخذن موقفاً بل هناك من يلجأن لحلول ملتوية دون أن يقررن حلا صارماً وواضحاً.) لم تسأله التفسير أكثر، وطرحت عليه سؤالها الأهم (وما رأيك أنت؟ وهل ستطلب منها العودة إليك إن هي سامحتك؟) نظر إليها بغموض ثم قال لها بملامح خالية من التعبير (الأهم عندي الآن هو الحصول على عفوها ولكل حادث بعده حديث.) احتدت أنفاسها فآثرت الابتعاد نفاذا بكرامتها لكنها عبست بحنق تذكره قبل أن تنصرف )لا تنس أنها تطلقت منك وأنت على فراش الموت، وهذا معناه واحد لا غير أنها لا تريدك! سأذهب لعملي، حاول أن تنام.) أقفلت الباب خلفها بشيء من الحدة، فابتسم لأول مرة بعد أن استيقظ من غيبوبته بل لأول مرة بعد سنين طويلة، لم يعد حتى يذكر كم عددها.

***

(القسم النفسي) (الرواق جوار غرفة مريامة)

همهم كعادته وهو يطالع محتوى الورقة بينما يهز رأسه للممرضة قائلاً بتبرم (مممم! إذن لا فجر حتى بين المرضى!) هزت الممرضة رأسها بخفة بدورها، تراقب تمعنه باللائحة حتى توقف على اسم معين لفت انتباهه بدهشة لم تطل حتى انقلبت إلى بسمة غامضة، وهو يطوي الورقة ويدسها في جيبه، ناظراً إليها (شكرا لك، يمكنك الانصراف.) برقت عيناها بطمع وهي ترد عليه باهتمام (عفوا سيدي ... أنا في الخدمة.) عاد ليهمهم قبل أن يخاطبها بملامح متهكمة لكن دون أدنى لمحة للمرح (مممممم! انتبهي يا .....آنسة!؟) سألها فأومأت مؤكدة ببسمة اختفت حين أكمل بنبرة كان فيها من المرارة ما أقنعها بصدقه (اسمعي من رجلٍ رأى الكثير في حياته ما هو متأكد من أنك لن تريه ولو عشت لمئة عام.) فغرت فمها ترمقه بتوجس، وهو يردف بوجوم (كل ما نعيشه على أرض هذه الدنيا لا يستحق كل ما نفعله من أجل كسب الدراهم مهما كثرت.) تحرك من مكانه مقتربا منها ليكمل بحزم (فما بالك بالحرام.) تمتمت بتوتر فقاطعها بنفس الحزم منهياً حديثه (كنت أستطيع الحصول على اللائحة بشكل عملي ومن رئيس القسم بنفسه أو نائبه، فلا تخلطي بين الهدية والرشوة، ولا تسمحي لنفسك بتقديم عمل على آخر من أجل المال، يمكنك الانصراف ...وشكرا لك) ابتعدت مهرولة في نفس اللحظة التي لمح فيها الطبيب أمين يبحث عنه، فسأله بفضول (هل أنهيتم الفحص؟) هز رأسه بنفي يرد عليه برسمية (بدأت الطبيبة النسائية عملها للتو، فقد قاومتها بشدة حتى اضطررنا لحقنها بمهدئ، لا أعلم لماذا هذه الطبيبة بالذات؟ فقد كانت مستسلمة لي ولزميلي في قسم الأشعة.) ابتسم بظفر بينما يسأله بتجاهل متعمد لما بدا لأمين أنه يعرفه ويخفيه مثل الكثير مما يخفيه هذا الرجل الغريب (ما نتيجة فحصك أنت؟) جعد ذقنه مجيباً (لا شيء أكثر مما سبق ووجدته، فقر الدم ونقص في الفيتامين دال ثلاثة، وجسم منهك بحاجة للراحة والكثير من التغذية الصحيحة.) صمت البروفيسور وهو يضم شفته السفلى، يفكر بعمق والطبيب يراقبه بحيرة حتى انتبه إلى سؤاله الغريب (إلى أي مستوى قد تتمادى لمساعدة إنسان يعاني يا دكتور؟) (ها!؟) رد عليه ببلاهة لحظية فابتسم له البروفيسور يعيد تشكيل سؤاله (أقصد، هل يمكنك تجاوز بعض مبادئك أو لنقل بعض قناعاتك لتساعد مريضا يتلظى في عذاب أليم؟) فكر قليلا قبل أن يجيبه بنبرة صادقة لم تخل من الحيرة (هذا يختلف حسب الشخص، يعني ...قد أساعد مريضا غريباً عني بكل ما أستطيع فعله لكن هناك أشخاص قد تدفعني محبتي لهم لأن أتجاوز بعض الحدود، ولذلك بالذات هناك قانون في الغرب يفرض على الأطباء عدم توليهم لحالات تقرب لهم.) ضحك البروفيسور وعقب بمرح ساخر (في الوقت الذي نقصد فيه الطبيب القريب متفاخرين بذلك غير متفهمين لمدى خطورة اضطراب المشاعر بسبب القرابة، لا عليك وشكرا لك.) رد عليه، وهو يرمقه بريبة (مرحبا بك، هذه نتائج التحليل، يمكنك مراجعتها إلى أن تنتهي الطبيبة من عملها.)

***

(غرفة مكتب إسماعيل)

دقتين خفيفتين على الباب تلاهما دخولها فابتسم لها بدفء شابته بعض الحيرة التي دفعت به إلى مفارقة مقعده وبسط يده إليها فاستجابت له متقدمة نحوه قبل أن تستسلم لضمته، تتلقى قبلته على وجنتها بنفس رقة سؤاله (هل أنتِ بخير؟) ناظرته بسؤال لم يتجاوز حنجرتها "بل الأحرى هل أنتَ بخير؟" وردت عليه بينما تبتسم بحياء (على خير حال الحمد لله، كيف كان صباحك؟) أوزع حالتها الغريبة للحياء منه، فرد عليها مستعيداً الدفء في بسمته مع بعض المرح (مختلف، رغم رتابته المعتادة.) بللت شفتيها بارتباك فضمها إليه بينما هي تحمر بشدة، وتتوتر أنفاسها، فقالت له متهربة من مشاعرها المضطربة (هل مررت على مريامة؟) ما يزال محتفظا بها بين ذراعيه وهو ينظر إلى عينيها، يشعر برغبة في النظر إليها لفترة أطول (البروفيسور يتابع حالتها، إنها تخضع لفحص شامل، أما أنا فأنهيت جولتي وجولتك، وانتظرتك كي نلحق به.) أمالت رأسها تشكره بنبرة ممتنة (لم يكن عليك فعل ذلك، أشكرك.) رفع يده ليربت على وجنتها برقة، وهي تحدق بعينيه ذواتا اللون البني الغامق، تلمعان ببريق جديد لم يستطع البلور الرقيق لنظارته إخفائه (لا تتعودي على ذلك! أحببت أن أريحك اليوم.) جف حلقها بفعل حيائها فتلفتت بارتباك بينما تبلع ريقها وهي تغمغم تحت أنظاره المتسلية برزانة لا تليق سوى به (هل نلحق بالبروفيسور؟) سحبها مرة أخرى ليغمرها بحضنه قبل أن يبعدها عنه لينظر في عينيها هامسا بهدوء (يمكننا الذهاب الآن.)

***

(مركز الدرك)

(سيدي ...هناك آنسة تريد رؤيتك) رفع رأسه عن الحاسوب أمامه، يسأله بريبة (من؟) (أنا!) التفت عبد العالي إلى من تبعته متجاهلة طلبه منها الانتظار تهتف بفخر لم يخف عن كليهما ثم نظر إلى رئيسه الذي أشار له بالانصراف بينما يسترخى على مقعده يحدق بها للحظة قبل أن يسألها بحاجب مرفوع ونبرة متهكمة (لمن أدين بهذا الشرف؟) لوحت براء بيدها الحرة بينما ترد عليه بامتعاض (هل هكذا تستقبل ضيوفك من المواطنين الذين أنت في خدمتهم يا حضرة الضابط؟) زفر بخفوت يرد عليها بنفس امتعاضها (حضرة الضابط غارق بقضايا المواطنين الذين هو في خدمتهم، ولا ينقصه ازعاجا من مواطنة تشعر بالملل لأنها في عطلة مرضية.) نفخت بحنق طفولي وجلست على أحد المقعدين أمام مكتبه، فاستدرك مستنكراً (من سمح لك بالجلوس؟ أنا مشغول يا آنسة! أنصحك بالانصراف.) قالت له بغيظ بينما تحاول السيطرة على فوضى مشاعرها التي تختلط عليها دوماً في حضرته (أنت قليل ذوق، وتنين متوحش!) ابتسم لها بسماجة متعمدة كتعقيبه المتهكم (وما الذي يجبرك على مقابلة التنين المتوحش؟ يمكنك الرحيل حالاً! فتريحين بالك من جلافته!) قلبت عينيها تعقب بيأس (يا إلهي! وبارد أيضا.) (أنظري هنا!) التفتت إليه، فأشار إلى الباب (البارد يطلب منك الانصراف قبل أن يتحول الى طرد لن يكون غريباً عليه، فهو قليل ذوق.) صمتت تحدق به، فصمت يبادلها نظراتها الغريبة حتى تحول الأمر الى تحدٍّ كسبه بجدارة حين فرت من حدة نظراته وسيطرتهما تتعلل بتفحص الغرفة، فخاطبها بتسلية انعشت قلبه (طلاء الجدران قديم قليلا لكنهم وعدونا بتجديدات قريبة بإذن الله.) رمته بنظرة ضجرة، فابتسم لها ببراءة مزعومة قبل أن يسألها بجدية (ماذا تريدين يا براء؟) لم يغفل عن ذاك التوسع الطفيف في مقلتيها الزرقاوين لبرهة قبل أن تستجمع نفسها لترد عليه بنفس جديته (أريد سيارتي وآخر التطورات.) تنفس بصخب وهو يميل إلى الأمام، يجادلها بنبرة باردة متعمدة (طبعا كنت سأُعْلمك حين ننتهي من السيارة أما التطورات فأنت تعرفين بأنني لن أخبرك بشيء.) عبست تلوح بيدها الحرة، وهي تهتف بسخط (لكنني المهدَّدة هنا ومن حقي ...) قاطعها بنفس سخطها (لا حقوق لك لأنك من تطفلتِ على أمر لا يخصك!) (كيف لا يخصني؟ إنه عملي، كشف المجرمين للعامة!) (بل عملي أنا يا حضرة الإعلامية، وبعدها يأتي دورك لإعلام الناس أما ما تفعلينه فهو منح فرصة جيدة لهم كي يأخذوا حرصهم أو يفرون من العقاب.) تجمدت ترميه بنظراتها المشتعلة، وصدرها يلهث بأنفاسها المتلاحقة. يدها الحرة على سطح مكتبه، والأخرى معلقة على صدرها، أما هو فيشعر بأن الزمن توقف به، أو ربما هو فقد الاحساس بالعالم من الأساس بينما يتأمل بلا حول منه مقلتيها المتسعتين بلونهما الأقرب للسواد من الزرقة بسبب حماس غضبها، متغاضياً عن زوبعة مشاعره في حضرتها بطريقة لا تشبه غضبه المعتاد ولا حماسه لعمله. تنحنحت بخفوت وهي تستقيم على قدميها ثم قالت له (أريد سيارتي في أقرب فرصة لكي لا يشك أبي في الأمر، فهو لا يصدقني.) هز رأسه شاتما نفسه على سهوه اللحظي، يرد عليها بنبرة جامدة (لا مشكلة، غدا بإذن الله سأبعثها لمن سيتكلف ببيعها وأرسل لك عنوانه.) غمغمت بشكر مقتضب واستدارت لتنصرف فناداها بطريقته الحازمة (براء!) توقفت والتفتت لتنظر إليه فاستدرك بهدوء مبطن بتحذير(استمتعي بعطلتك وارتاحي لكي تتعافي، يمكن للعمل أن ينتظر، ولا تقلقي بشأنهم فأنا بارع في عملي بفضل الله.) مطت شفتيها بامتعاض، واستأنفت طريقها بينما تعقب بنبرة تعمدت علوها كي يسمعها (مغرور!) ضحك بخفة يومئ بيأس، وهو يسحب هاتفه، وضعه على أذنه ثم أمر مخاطبه بجدية مهددة (إياك وأن تغفل عنها إنها تخطط لشيء ما ...أنا متأكد... سلام.)

***

(المستشفى ...القسم النفسي)

فتح الباب وأشار لها بالدخول بعدما ترك كفها أخيراً، فاستدارا إليهما حين ضيق البروفيسور مقلتيه ليبتسم قليلا بإدراك، ويلتفت إلى الأوراق بين يديه مجددًا يقول لهما بمرح (مرحبا بزوج الأطبة، انضما إلي في حفلتي الخاصة من فضلكما.) تفقدت طائعة مريامة النائمة، وإسماعيل يقف جوار البروفيسور وأمين. (لماذا لم تستيقظ بعد؟) سألت بتوجس، فرد عليها البروفيسور بتهكم (لأنها تصرفت كفرس جامحة، وقاومت الطبيبة النسائية، فزودوها بمهدئ، لا تقلقي! ستستيقظ قريبا إن شاء الله، ويجب أن نكون على استعداد لنضع خطة علاج.) اقتربت منهم عابسة بحيرة، وهو يشير بالأوراق في يده ويلقي بخبره الذي تأكد منه (إنها عذراء.) (ماذا؟) تلقفت الأوراق تطالعها مع إسماعيل الذي لا يختلف عنها دهشة بالرغم من أنه كان متقبلاً للأمر كافتراض سابقاً بينما يقول أمين بصدمة لم يفق منها بعد (أعذركما ... إن كنت لا أصدق إلى الآن.) حرك البروفيسور عكازه، يخبرهم بجدية (وهناك المزيد ...أنا متأكد! لكن تقرير جديد يجب أن يكتب ويبعث حالا إلى ونائب الوكيل لكي يفرجوا عنها.) أومأت طائعة تبتسم بسرور شعت له قسماتها تهتف ببهجة (يا إلهي الرحيم! سأكتبه حالا وأرفقه بتقرير الطبيبة النسائية وسأخبر أيضا أهلها.) مطّ البروفيسور شفتيه وتلونت ملامحه بسخط ساخر (أجل أسرعي! كي تعود الراية البيضاء لترفرف فوق بيتهم ... بئساً للأمر!) أنهى جملته بهمس غاضب وهو يهوي على الكرسي، فربت إسماعيل على كتفه بمهادنة )مهما أنكرنا بسبب وعينا فهذه الفتاة في مأزق أكبر من مرضها إن لم نخبر أهلها ونفشي الخبر.) وفي حالات تعتبر نادرة لدى البروفيسور نطق بنبرة مجادلة تشوبها الجدية والحزم مع لمحة حزن (لكن مرضها أهم وأخطر، يجب أن يفهموا أن خالقها، ومنذ أن مرضت قد رفع عنها القلم، فمن نحن كي نحاسبها حتى لو أخطأت؟ شغلوا عقولكم!) لمس جانب جبهته بسبابته وهو يكمل بوجوم (المُعتل في عقله لا يؤاخذ حتى في القتل ويحاكم كالقاتل بالخطأ فكيف نحاسبه نحن على باقي الأخطاء؟) تنفس بحدة وكلهم يومئون بأسف، لظلم مجتمع يترك دائما الأمور المهمة والعظيمة، ويمسك بتوافه الأمور يلوحون بها فرحين بفخر. تحدث أمين وهو يلمح العرق النابض في عنقه بارزا بشكل نافر (اهدأ بروفيسور، الله أعلم بنا، نحاول نشر التوعية على قدر المستطاع لكن السنوات الغابرة أثقلت في النفوس، وتحتاج لسنوات توازيها كي نمحو ما خطته في العقول.) شخر البروفيسور يعود لتهكمه وهو يجيبه بجفاء (بالله عليك.... الحديث قيل بلسان الرسول عليه الصلاة والسلام قبل قرون مضت، وتناقلته الأجيال بمعناه البين والواضح *رفع القلم عن ثلاثة عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يبلغ، وعن المجنون حتى يعقل"

(رواه الإمام أحمد في مسنده)'١'* لكن الجهل دائما ما يُتَّخَذُ كذريعة لأنانية البشر!) لمعت مقلتا طائعة بتعبير مبهم وتقدمت لتقف قبالته ترفع كفيها وتبسطهما عموديا أمام عينيه بعد أن سلمت الملف لزوجها، تقول له بغموض حيّر الأخير وأمين )هلا هدأنا لكي نفهم الحالة بين أيدينا؟) تنفس برتابة وعيناه تتعلقان براحتي كفيها ينظر إليهما بالتناوب للحظة ثم رفع رأسه قائلاً باستسلام ساخر (حسنا اجلسي واكتبي التقرير بينما نتناقش، وبعد أن ننتهي يمكنك زيارة أهلها قبل مغادرتك وإبلاغهم بالأمر، لكن انتبهي مما قد يفعله زوجها العتيد إذا علم بالأمر!) أنزلت كفيها إلى جانبيها مقطبة بحيرة، تقول له بوجوم (آخر ما عرفت عنه، شروعه في معاملات الطلاق.)رفعت سبابتها تربت على ذقنها بتفكير، واسماعيل يقر بضيق (قد يكون رده عنيفا.) أصدر البروفيسور ضحكة خالية من المرح وهو يتشدق بكلمات تخفي الكثير من الألم )أجل ... فالوضع جدا خطير يتعلق برجولته العظيمة؛ كيف تزوج الآنسة لسنة كاملة وما تزال آنسة؟ هذا أمر شائك، أليس كذلك يا دكتور؟) تغيرت نبرته مع آخر حديثه إلى معنى مبهم رمى به إسماعيل الذي تجمد يرمقه ببلاهة أصابته فطرف بنظرة خاطفة سريعة إلى زوجته، لكنها لم تكن لتفوت البروفيسور الذي لمح احمرار المعنية بإحراج فاتسعت بسمته المبهمة يتأكد له شكه. تدخل أمين الغافل عن حرب النظرات بغضب زاد من اتساع بسمة

You are reading the story above: TeenFic.Net